ابن النفيس
513
الشامل في الصناعة الطبية
ويتكرّر الأمر في مقالة الغراء التي بدأها العلاء ( ابن النفيس ) ببحث مطوّل في الغرويّة واللدونة ، خلص منه في الفصل الثاني من المقالة ، إلى أنّ ما قرّره الأطبّاء السابقون عليه والمعاصرون له ، من أن الغراء ( حارّ المزاج ) هو بحسب تعبيره : قول لا حقيقة له . وهكذا يعمل العلاء آلياته المنهجيّة ، فيقف في بحثه مواقف نقديّة يسهم من خلالها في تطوير الباحث الطبية والصيدلانية في زمانه ، على نحو لا نكاد نجد نظيرا له ، فيما كتبه أطباؤنا القدامى ، حتى في القرون التالية على العلاء . وثمة أمران يجدر الإشارة إليهما هنا . الأول ما يتأكّد في هذا الجزء الذي بين أيدينا ( في الفصل الخامس من مقالة الفجل ) من أن العلاء أتم بالفعل الجزء الخاص بأصول علم النبات من الشامل . . وهو جزء تؤكّد إشارات العلاء إليه ، أنه واحد من أهم أجزاء هذه الموسوعة وأكثرها أهمية وتركيزا . ومع ذلك ، فهو - ويا للخسارة - لا يزال من الأجزاء ( المفقودة ) من الشامل . والأمر الآخر ، الأعجب ؛ هو ما ورد في هذا الجزء في تأكيد المؤلّف في عدة مواضع ، لرأيه في التولّد الذاتي للمخلوقات . . وهو رأى مثير للجدل كان العلاء قد عرض له في قصته ( فاضل بن ناطق ) المعروفة بعنوان آخر ( الرسالة الكامليّة ) عند كلامه عن مولد البطل الأسطورى للقصة . غير أنّ الطابع الروائي والنزوع التخييلى في هذه الرسالة / الرواية ، يخالف الطابع العلمي والمنهجي في موسوعة الشامل . . مما يقتضى ضرورة النظر إلى اعتقاد العلاء ( ابن النفيس ) بمبدأ التولّد الذاتي على نحو أكثر جدّية مما يقتضيه الأمر في رسالة فاضل بن ناطق التي عارض بها قصة حي بن يقظان . وما من شكّ في أنّ هذه المسألة تحتاج إلى دراسة متأنّية من الباحثين الجدد ، فحسبنا هنا الإشارة إليها !